تماماً وكما أراد .. ماتَ في حربٍ حُبلى بصورٍ دامية، بددت مخاوفه بأن يموت على فراشه، فكان صبره كصبر الخشب تحت المناشير، تلك الأهازيج التي كثيراً ما رددها على وقع الصواريخ الفولاذية التي طحنت جماجم وعظام أطفال غزة.
متجهم، عنيد، صعب المراس، عبوس، صبور، مقطب الجبين، حاد، هي صفات نقلتها عدسات الكاميرا عن رجل حركة المقاومة الإسلامية "حماس" الأمني الأول، لكنها لم تفلح في إكمال رسم الوجه الآخر للرجل الحديدي الذي سالت دموعه لمشهد غزة الدامي، رسمُ المعالم الأخرى لهذا الوجه.
قاتلٌ في صمته
هو سعيد محمد شعبان صيام، المولود لأب وأم فلسطينيين، في 22 يوليو/ تموز عام 1959، لأسرة تنحدر من قرية الجورة قرب عسقلان القريبة من غزة، تقلد منصب وزير الداخلية في الحكومة الفلسطينية. وهو متزوج وله من الأبناء ستة (ولدان وأربع بنات)، شغل مناصب عديدة في الحركة الإسلامية التي تفرغ لها بعد مشادات مع "الأونروا".
عمل صيام، وهو خطيب مفوه ومتخصص في الرياضيات والتربية الإسلامية، مدرساً في مدارس وكالة الغوث خلال الفترة من 1980-2003م، كما شغل منصب عضو مجلس أمناء الجامعة الإسلامية بغزة.
استقالةٌ
شعر الشيخ صيام الذي شغل منصب رئيس اتحاد الموظفين في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" لمدة ست سنوات بأن الوكالة الأممية في غزة تكيل له بمكيالين، فقدّم استقالته طوعاً، بعد مضايقات شديدة تعرض لها، وآثر مقابل ذلك التخلي عن نصف ادخاره.
تميز صيام بالهدوء، والجلد، وهو صاحب تفكير عميق، ما جعل منه رجلاً صامتاً إلى حد بعيد، حتى أنه في ذروة الأحداث والمشاكل كان يعود إلى منزله المكون من ثلاث طبقات، رافضاً الإجابة عن أي أسئلة تطرحها عليه زوجه لتستشف عما ينفث في صدره وعقله ناراً، لكنه كان يكتفي بالإجابة "يكفيكم همُّ عملي"، في إشارة إلى علمه الأمني وملاحقة الاحتلال له، كما تقول أم مصعب.
دموعٌ خلف صرامتِه
ولعل الصفة الأمنية المنسوبة للرجل، جعلته يرسخ حقيقة واقعة لمن يعملون في دائرة الاستهداف معه بأن "سر نجاح العمل في سريتهِ"، الأمر ذاته نقله بشده إلى عائلته.
جانب آخر غير معروف عن الشهيد صيام عله يبدد الصورة النمطية التي رسمتها عدسات الكاميرا، والمؤتمرات الصحافية النارية التي خرج فيها "أبو مصعب"، لقد كان بكّاءً وعاطفياً إلى أبعد الحدود، لكن هذه الدموع كان صاحبها يواريها عن الأنظار قدر ما أمكن، كان آخرها مشاهد الأطراف المبتورة وأشلاء الأطفال الآمنين في بيوتهم في الحرب الصهيونية المدمرة على غزة.
لم ينجُ صيام من تجربة الاعتقال في سجون الاحتلال، فاعتقل أربع مرات في الفترة من العام 1989 حتى العام 1992 الذي تعرض فيها للإبعاد إلى مرج الزهور، كما لم ينج من تجربة الاعتقال في سجون السلطة الفلسطينية وذلك عام 1995.
وتقول زوجه:" كنا نشعر بأن أبا مصعب ضيف في بيته وكنا نقول له ذلك، على سبيل المداعبة والمزاح" .. لحظات صامته رافقتها تنهيدة طويلة اتبعتها الزوجة بفتح باب فولاذي شكل أحد أهم مراحل حياة الرجل، إنها حقيبة وزارة الداخلية.
عامان من التعب
الرجل الحديدي المولود عام 1959 في مخيم الشاطئ غرب غزة تولى الحقيبة، بعد فوز كتلته (التغيير والإصلاح) بأغلب مقاعد المجلس التشريعي في انتخابات 2006، كان عليه صعود جبال والنزول عن منحدرات وانزلا قات صخرية، وبعد أن وجد صعوبة في التعامل مع قادة الأجهزة الأمنية السابقين والموالين لحركة "فتح" ومحمود عباس، وجد نفسه أمام مهمة تشكيل القوة التنفيذية في مايو/ أيار 2006 التي حظيت باعتراف "أبو مازن" قبل أن يسحب ذلك الاعتراف لاحقا، ليخوض القيادي صيام المؤسسة الأمنية برمتها ويغادرها بإرث أمني داخلي سليم، لم تستطع الدول العربية والمجاورة إنكار الحقيقة المرة بالنسبة إليهم.
وقد أكد مقربون منه أنه لم يكن يرغب مطلقاً بتولي حقيبة الأمن، من منطلقات عدة ليس أولها عبء العمل البرلماني، ورئاسة الكتلة البرلمانية، وعوضاً عن إدراكه الكبير لطبيعة العمل والوضع في غزة، وتركيبة القطاع العشائرية والسكانية، وليس آخرها شغله عضوية المكتب السياسي للحركة الإسلامية.
وتقول زوجه:" رفض الشيخ سعيد المنصب مراراً، لكنه في النهاية امتثل للقرار التنظيمي، فلم يكن أمامه إلا القبول بالقرار، لنعيش وإياه في أوج التعب والمعاناة والأرق لمدة عامين".
قاد الرجل مركباً فوق كثبان رملية، عليه إيصالها إلى ميناء صحي ترسو فيه، فكانت حلقات مد وجزر أمني عاشها قطاع غزة لمدة تزيد عن العام، ووجد صيام نفسه في مواجهة مع الأجهزة الأمنية، وهي المواجهة التي قادت "حماس" إلى السيطرة على القطاع في يوم الحسم الشهير 14 يونيو/ حزيران 2007.
و تدافع "أم مصعب" عن زوجها، بقوة قائلة: "إن خيار الحسم وتشكيل القوة التنفيذية كان اضطراريا بعد أن شعر بأن قادة الأجهزة الأمنية، يريدون الانقلاب عليه، ولا يمثلون للقرارات الوزارية، وهو ما زاد من توتره وعصبيته أكثر من السابق".
ويضيف نجلها:" بعد الحسم العسكري، بمدة ليست بالبسيطة، بدت رغبة والدي ملحة في الاستقالة، وقالها بالحرف الواحد.. لقد تعبت؛ على شخص آخر تولي المنصب ليكمل المهمة بعد إرساء القواعد وبناء الأعمدة، لكن من حوله واجهوه بالرفض..".
ولعل أحد أهم الأسباب غير المعروفة للجميع في تلك الإرادة الملحة هي حالة صيام الصحية، إذ كان يعاني من مشاكل معوية في الأمعاء والقولون، فحسب المقربين منه أنه حتى هذا السبب لم يشفع له بترك منصبه، فهو كان متعففاً، لكنه لم يجد أسباباً للهروب من المهام الثقيلة التي كلف بها.. هو إنسان مخلص، شديد، وقاف للحق، سريع الغضب"، مشيرين إلى أن أكثر ما كان يثير حنقه هو التعدي على الإنسان، سيما من بعض المنتسبين للأجهزة الأمنية، ويؤكد أن أي إشكالية أو مخالفة أمنية صغيرة أو كبيرة يجب أن تعالج عبر الدوائر الرسمية، حرصاً على حياة الناس".








